الشيخ محمد حسين الحائري
175
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
اشتهر بين علماء الميزان في بيان الفرق بين الموجبة المعدولة والسالبة المحصلة من أن السلب في المعدولة متعلق بالمحمول وفي السالبة بالنسبة فتسامح لان السلب لا يتعلق بالنسبة لما عرفت بل التحقيق أنهما مشتركان في كون حرف السلب فيهما متعلقا بالمحمول وإنما الفرق أن تعلق السلب في المعدولة متقدم على اعتبار النسبة في المحمول أعني أخذ المحمول محمولا وفي السالبة متأخر عنه فالنفي يتعلق في السالبة بالمحمول المنتسب وتتعلق النسبة في المعدولة بالمحمول المنفي هذا وينبغي تنزيل كلامهم هذا ونظائره عليه ووجه دفع الأول أن كون الجمع موضوعا للقدر المشترك بين المراتب لا ينافي كون أداته موضوعة بوضع الحروف وذلك لان معنى كون الوضع عاما والموضوع له خاصا أن الواضع لاحظ معنى كليا ووضع اللفظ بإزاء ذلك المعنى منضما إلى إحدى خصوصيات أفراده كما في أسماء الإشارة والضمائر أو خصوصيات ما جعل ذلك المعنى آلة لملاحظة حاله كما في الحروف بأسرها فإن من مثلا موضوعة لمفهوم الابتداء الملحوظة به حال ما دخلت عليه وارتبطت به حتى إنه لو تعدد ذلك المعنى في مدخولها كان للقدر المشترك بين الكل لا أنها موضوعة لخصوص كل فرد من أفراد الابتداء للقطع بأن المفهوم منها في قولك سرت من البصرة أو سر من البصرة إنما هو خصوص ابتدأ وهو ما لوحظ به حال السير مقيسا إلى البصرة لا خصوص فرد منه هذا إذا اعتبر خصوصية المفهوم مجردا عما يعتريه من اللحاظ وإلا فلا ريب في كونه جزئيا حقيقيا بهذا الاعتبار كما سبق تحقيقه وحينئذ فكون أداة الجمع موضوعة للقدر المشترك بين المراتب لا ينافي كون وضعها حرفيا مع أن الاشكال المذكور وارد على تقدير كونها موضوعة لخصوصية كل مرتبة من المراتب أيضا لأنه أيضا كلي وإن كان أخص من الأول وينبغي تنزيل كلامهم عليه ووجه دفع الثاني أن النكارة ليست لاحقة لوصف الجمعية ولا لموصوفها المجرد عن اعتبارها أعني مدلول المفرد من الماهية من حيث هي بل لاحقة لتمام مدلول الجمع أعني الماهية المأخوذة باعتبار تحققها فيما زاد على الفردين ولا ريب أن الماهية المأخوذة بهذا الاعتبار صالحة للكل لصلوحها للبعض فاعتبار التنكير فيها يوجب ترددها بين ما يصلح له من المصاديق من غير اختصاص له ببعض دون بعض نعم ينبغي أن يستثنى من ذلك صورة وهي ما إذا وقع الجمع المنكر في مقام الاخبار كقولك جاءني رجال من أهل الدار فإن الظاهر منه عدم مجئ الجميع أو عدم العلم به وإلا لكان المناسب تعريفه فيتعين الأول حيث يتبين عدم الثاني هذا تحقيق المقام على ما يساعد عليه النظر الجلي والتحقيق أن الجمع المصحح مشتمل غالبا على مادة موضوعة للجنس وعلى هيئة أو أداة موضوعة بوضع حرفي لملاحظة الجنس أعني مدلول المفرد مقيدا بمصداق من مصاديق ما فوق الاثنين لا على التعيين فيكون تقييده بكل مصداق تقييدا ترديديا بمعنى أن تقييده بكل مصداق على وجه يصلح لتقييده بمصداق آخر على البدلية ومثله الجمع المكسر وما لا مفرد له من لفظه إلا أنهما موضوعان بهذا المعنى بوضع وحداني كما مر في المشتق فحكم الجمع حكم المفرد المنون والمثنى في أن مدلوله لا يتم إلا بعد أخذ الجنس مقيدا بالشخص وإن افترقت من حيث أن المعتبر في المفرد تقييده بشخص واحد وفي المثنى بشخصين وفي الجمع بأشخاص ومن حيث إنه قد اعتبر في وضع التنوين عدم اعتبار التعيين في مدلول مدخولها حال الاطلاق كما مر ولم يعتبر ذلك في أداة التثنية والجمع فاتضح من تحقيقنا هذا أن مدلول الجمع والمثنى كمدلول المفرد المنون جزئي لا كلي كما يقتضيه التحرير الأول ومما يحقق ذلك أن التعدد المستفاد من التثنية والجمع ليس راجعا إلى نفس الحقيقة لوضوح عدم تعددها في نفسها ولا إلى مفهوم الفرد لظهور عدم تعدد هذا المفهوم في نفسه بل إلى المصداق فيكون مدلولهما الطبيعة المقيدة بمصداق الفردين أو ما زاد فيكونان جزئيين لان الطبيعة المأخوذة من حيث التقيد والاتحاد بالفرد جزئية لا محالة ولا يشكل ذلك بنحو كليين وكليات وجنسيين وأجناس ونوعين وأنواع فإن المثنى والمجموع في مثل ذلك جزئي بالقياس إلى مدلول الكلي والجنس والنوع وإن كان المعروض لها كليا ومن هنا يظهر الحال في المفرد المنكر بالمقايسة ومما قررنا يتضح أيضا أن التنوين الداخلة على الجمع إما للنكارة فيكون مؤكدة للنكارة المعتبرة في مدلوله بل ممحضة إياه للتنكير ولهذا لا يقبل التعريف معها فإن مفاد الجمع الماهية المقيدة بمصداق ما فوق الاثنين لا بشرط اعتبار تعيين المصداق ولا بشرط اعتبار عدمه فيصح أن يعتبر المصداق معينا ويدل عليه بأداته كلام العهد والاستغراق وأن يعتبر من حيث عدم اعتبار التعيين فيه ويدل عليه التنوين المفيدة لذلك أو لمجرد التمكن وربما يؤيده الاستغناء عنه في الجمع بالواو والنون لتمامية الاسم فيه بنون الجمع هذا واحتج موافقونا بوجهين الأول القطع بأن رجالا لا يصلح لكل مرتبة من مراتب الجمع بدلا كصلوح رجل لاحاد جنسه بدلا فكما أن رجلا ليس للعموم فيما يتناوله كذلك يجب أن لا يكون رجال للعموم فيما يتناوله من المراتب وفيه نظر لأن الظاهر أن من قال بعموم الجمع المنكر لم يقل بأنه لعموم المراتب والجماعات بل إنما يقول باختصاصه بالمرتبة الأخيرة فالذي يناسب الاستدلال به على عدم إفادته العموم أن يقال فكما أن رجلا لا يختص بشئ من آحاده كذلك يجب أن لا يختص رجال بشئ من مراتبه التي منها الجميع لتساويهما في الصلوح وللزوم الترجيح من غير مرجح على تقدير التخصيص ببعض دون بعض هذا على ما يقتضيه ظاهر الدليل المذكور من إلحاق الجمع المنكر بالمفرد المنكر في عدم الاختصاص بالعموم وإن أريد إلحاقه به في عدم الدلالة على العموم مطلقا اتجه عليه أن يقال لا نسلم دعوى المساواة بينهما لحصول الفرق فإن العموم بمعنى جميع الافراد أحد مصاديق الجمع المنكر وليس بأحد مصاديق المفرد المنكر فعدم دلالة المفرد عليه لا يوجب عدم دلالة الجمع عليه فتدبر الثاني لو قال له عندي عبيد صح تفسيره بأقل الجمع اتفاقا ولو كان للعموم لما صح وأورد عليه بأن هذه